اسماعيل بن محمد القونوي

66

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المرضي عند اللّه هو الإسلام فقط ( وهو التوحيد ) فالحصر مستفاد من تعريف المسند إليه بلام الجنس ومن هذا نفى الجنس الدين المرضي أولا ثم أشبه للإسلام ثانيا فلو حمل اللام على العهد لفاتت المبالغة وما سوى الإسلام هو الأديان الباطلة فإن الدين مقول بالاشتراك اللفظي على دين الحق والباطل كما أنه مقول بالاشتراك المعنوي على الأديان الحقة نعلم منه أن كون الدين المرضي عند اللّه منحصرا في دين الإسلام بالنظر إلى وقت نزول القرآن فلا ينافي كون سائر الدين مرضيا عند اللّه تعالى قبل أن يكون منسوخا مثلا دين اليهود حق قبل النسخ بالإنجيل « 1 » وقبل التحريف وكذا دين النصارى مرضي قبل النسخ بالقرآن وقبل التحريف فالكل حق بالنسبة إلى وقته . قوله : ( والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) أي التحصن من تدرع إذا لبس الدرع كتقمص إذا لبس القميص وفيه استعارة مكنية وتخييلية فتأمل وكن على بصيرة وإخبار الشرع على الدين للتنبيه على أن ما جاء به رسولنا عليه السّلام مغايرته للأديان السالفة بالفروع المختلف فيها دون أصول الدين والتوحيد والشرع مستعمل في الأكثر في أعمال الفروع ولهذا ذكر التوحيد أولا مقابلا للشرع وإن كان الشرع قد يستعمل في مطلق ما جاء به النبي عليه السّلام ( وقرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل من أنه ) . والتوحيد وكان ذلك المسكين بعيدا عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثير الخوض فيما لا يعرف فزعم أن الآية دالة على أن من أجاز الرؤية أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين اللّه الذي هو الإسلام والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئيا لكان جسما وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من جامع عقلي قاطع فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه لأنه لما اعترف بأن اللّه تعالى عالم بجميع الجزئيات واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم اللّه جهلا فقد اعترف بهذا الجبر فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث أقول الظاهر من تقرير الإمام أن أبا الحسن الأشعري في ذهابه إلى الجبر مصيب لكن على هذا أشكل أمر التكليف لأدائه إلى التكليف بما لا يطاق والحق أن لا جبر ولا انقلاب في علم اللّه سبحانه لأن العلم تابع للمعلوم والمعلوم فعل العبد باختياره أحد مقدورية وإنما يلزم الانقلاب في العلم إذا كان المعلوم تابعا للعلم وليس كذلك فإن اللّه تعالى إذا علم أن زيدا يسافر باختياره غدا لا يلزم منه أن يكون زيد مجبورا في سفره ذاك لأن علم اللّه تعالى إنما تعلق به على كيفية مخصوصة التي هي صدور السفر منه على أوجه اختياره وإرادته لا وجه العسر والإلجاء فليكن هذا الأصل على ما ذكر منك فإنه كما ينجيك من ورطة الجبر ينجيك أيضا من كثير من ورطات شكوك القضاء والقدر فإن كلا من القضاء والقدر حكم اللّه تعالى والحكم تابع للإرادة والإرادة تابعة للعلم والعلم تابع للمعلوم فعلى أي نحو وقع المعلوم يتعلق به علم اللّه تعالى على ذلك النحو . قوله : وقرأ الكسائي بالفتح أي بفتح أن فعلى هذا تكون هذه الآية من جملة المشهود به بدلا

--> ( 1 ) هذا هو الصحيح وقيل إنه ليس بمنسوخ بالإنجيل فح يكون منسوخا بالقرآن كدين النصارى .